سيد محمد طنطاوي

293

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الأمر بعد - لأنه لما كان وعد اللَّه في غاية الثقة في كونه سيقع ، عبر عن المستقبل بالماضي « 1 » . وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : * ( وأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ ) * . أي : لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم ، بل فضلا عن ذلك ، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد ، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم ، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم . وأما النعمة الثالثة فتتجلى في قوله - تعالى - : * ( وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) * . والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته ، وهو منصوب على التمييز . والمفضل عليه محذوف ، والتقدير : وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم . . فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم ، وأن تحسنوا الاستفادة منها ، بأن تشكروا اللَّه - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة ، فقد نصركم بعد هزيمتكم ، وأغناكم بعد فقركم ، وكثّركم بعد قتلكم . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التي لا تتخلف ، وهي أن الإحسان عاقبته الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران ، وأن كل إنسان مسؤول عن عمله ، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه ، فقال - تعالى - : * ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ، وإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) * . أي : إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم ، بأن أديتموها بالطريقة التي ترضى اللَّه - تعالى - أفلحتم وسعدتم ، وجنيتم الثمار الطيبة التي تترتب على هذا الإحسان للعمل ، وإن أسأتم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة ، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التي تترتب على إتيان الأعمال التي لا ترضى اللَّه - تعالى - . وقد رأيتم كيف أن الإفساد كانت عاقبته أن * ( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ) * . وكيف أن الإحسان كانت عاقبته أن * ( رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ ) * على أعدائكم * ( وأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) * . قال صاحب البحر ما ملخصه : وجواب « وإن أسأتم » قوله « فلها » وهو خبر لمبتدأ محذوف أي : فالإساءة لها . قال الكرماني : قال - سبحانه - : * ( فَلَها ) * باللام ازدواجا .

--> ( 1 ) تفسير أبى حيان ج 6 ص 10 .